كاشف الأسرار
الضجة حول مذكرات السفير البريطاني السابق في واشنطن حول خبايا الحرب على العراق ليست جديدة.. فمذكرات السياسيين دائما ما تثير ضجة.. فلماذا؟
واشنطن: محمد علي صالح
سأل صحافي، في الأسبوع الماضي، توني بلير رئيس وزراء بريطانيا، في مؤتمره الصحافي الشهري، عن مذكرات السفير البريطاني السابق في واشنطن سير كريستوفر ماير «واشنطن سري» او «دي سي كونفدينشيال» والتى يروي فيها تفاصيل سرية حول استعدادات اميركا وبريطانيا للحرب على العراق، غير ان بلير رفض، في البداية، الرد على سؤال الصحافي، وقال انه لا يريد ان يقدم دعاية تجارية لأي كتاب، لكن صحافيين آخرين كرروا اسئلة عن هذه النقطة، فاضطر بلير ليعلق على الكتاب، وينفي الاتهامات التي نشرت فيه. فقد اتهم السفير السابق (بقي سفيرا في واشنطن نحو 6 سنوات) في مذكراته بلير، بأنه أيد الرئيس الاميركي جورج بوش لغزو العراق، لأن بلير «انبهر بعظمة البيت الابيض»، واتهم السفير السابق وزراء بريطانيين بأنهم كانوا «مثل الاقزام» امام كبار المسؤولين الاميركيين، ولهذا فشلوا في كسب احترامهم، وفي اقناعهم بالعدول عن غزو العراق، أو، على الاقل، فشلوا في تأجيل الغزو حتى استصدار قرار من مجلس الامن الدولى. وقد اثارت الحلقات التى نشرها مايرز فى صحيفة «الغارديان» البريطانية، الكثير من الجدل حول المدى الذي يمكن ان يذهب اليه موظف مدني سواء سفير او اي موظف مدني آخر في الكشف عن اسرار، قد تعدها الحكومة خطيرة، وتؤثر على عمل وزرائها. فقد سارع جاك سترو، وزير خارجية بريطانيا، واتهم السفير السابق بنشر اسرار حكومية، وقال مسؤولون في وزارة الخارجية، بأنهم سيحققون مع السفير السابق وسينظرون في وضع قيود تمنع كبار الموظفين من الادلاء بأسرار اطلعوا عليها خلال عملهم. ورد السفير السابق على الذين انتقدوه بنقطتين رئيسيتين: أولا، اقترح الانتظار حتى يصدر كتابه، لأن الكتاب، كما قال "حرص على عدم نشر أسماء المسؤولين الأميركيين، الذين حصلت منهم على معلومات سرية». ثانيا، دافع عن السفراء البريطانيين وبقية موظفي الخدمة المدنية البريطانية في مواجهة الوزراء والمستشارين السياسيين الذين «يتقيأون كتب مذكراتهم، ولا يسمحون لموظفي الخدمة المدنية بالتعبير عن آرائهم». لكن هذه ليست أول مرة يصدر فيها موظف مدني بريطاني مذكرات تثير ضجة كبيرة. فقد نشر، في سنة 1987، بيتر رايت، الذي عمل في الاستخبارات البريطانية (ام.آي.5)، كتاب «صائد الجواسيس»، حول تقصير الاستخبارت البريطانية في كشف الجواسيس الأجانب داخل بريطانيا، الا ان السلطات رفضت نشر الكتاب فى بريطانيا، فقام رايت بنشر الكتاب في استراليا، غير ان شركات النشر البريطانية منعت الكتاب، بعد نشره، من دخول بريطانيا. وكان من ضمن ما كشف الكتاب اسرارا منها، ان عملاء مزدوجين عملوا مع الاستخبارات البريطانية والروسية في نفس الوقت، كاشفا عن اخطاء كبيرة فى عمل جهاز المخابرات البريطاني، وقد اثارت المذكرات جدلا مشابها للجدل حول كتاب ماير، فقال المنتقدون ان الكتاب يكشف اسرارا لم يكن ينبغي كشفها عن جهاز الاستخبارات البريطاني. وقبل مذكرات رايت، اصدر جواسيس بريطانيون آخرون مذكرات اثارت ضجة ايضا. مثل كتاب «حربي السرية»، الذي اصدره سنة 1968، كيم فيلبي، الجاسوس البريطاني الروسي المزدوج. واصدرت زوجته الروسية، بعد وفاته سنة 1988، كتاب مذكراتها، «هذا الجاسوس المثير»، واثار ضجة عن الحياة الخاصة لفيلبي نفسه.
لكن، ولأن وكالة الاستخبارات الاميركية (سي.آي.ايه) تفرض قيودا اشد على موظفيها لمنع نشر اسرار الوكالة في مذكراتهم، يلاحظ ان الجواسيس الاميركيين الذين كتبوا مذكرات اقل من الجواسيس البريطانيين، الذين كتبوا مذكراتهم. غير ان فيليب آغي، الذي عمل مع (سي.اي.ايه)، احد الاستثناءات البارزة، فقد هرب من اميركا، ونشر مذكراته في اكثر من كتاب. أهم واحد، نشره سنة 1976، هو «داخل الشركة: يوميات سي.آي.ايه»، الذي كشف فيه اسرارا كثيرة، منها أسماء جواسيس اميركيين خارج اميركا (قتل مجهولون واحدا منهم في اليونان، بعد ان كشف الكتاب اسمه). ونشر آغي كتبا اخرى منها «عمل قذر: سي آي ايه في غرب اوروبا» و«ورقة بيضاء وغسيل ابيض: سي آى ايه في السلفادور»، و«هارب»، ونشر في هذا الكتاب الأخير قصة مطاردة الاستخبارات الاميركية له، ونشر في نهاية الكتاب مكان اختفائه، وهو كوبا، حيث يعيش حتى الآن. ولم يتوقف، رغم أن عمره سبعون سنة، من الهجوم على الاستخبارات المركزية، واسس أخيرا موقعا في الإنترنت لهذا الهدف، كاشفا عن الاساليب والاستراتيجيات، التي تستخدمها الاستخبارات الاميركية لتحقيق اهدافها. لكن لماذا تثير مذكرات الجواسيس والموظفين المدنيين، جدلا اكبر من مذكرات السياسيين، لا بد ان للأمر علاقة بأن اغلبية السياسيين فى مذكراتهم لا يكشفون الكثير من الاسرار، التي يمكن ان تهدد المؤسسات التي ينتمون اليها. ومن مذكرات السياسيين التي اثارت ضجة مؤخرا مذكرات ريتشارد كلارك، مستشار الارهاب السابق للرئيس بوش، والتي حملت عنوان «ضد كل الاعداء: داخل حرب اميركا ضد الارهاب»، الذي صدر في السنة الماضية. فقد انتقد الكتاب الرئيس بوش، وقال انه قصر في توقع هجوم 11 سبتمبر، وقصر في اتخاذ اجراءات لحماية اميركا بعد الهجوم. ولا بد ان كلارك خطط مسبقا ليثير كتابه ضجة اكبر، لأنه تحدث، في نفس وقت صدور كتابه، امام لجنة في الكونغرس، بل واعتذر، خلال جلسة نقلها التلفزيون مباشرة «للشعب الاميركي» عن تقصير بوش في حماية اميركا من هجوم 11 سبتمبر. وكأنه يقول ان بوش هو الذي يجب ان يعتذر. وانتقد البيت الابيض كتاب وتصريحات كلارك، واتهم كلارك بأنه يريد الدعاية لكتابه، ربما مثل قول بلير، رئيس وزراء بريطانيا، عن كتاب السفير ماير.
وأصدر، قبل سنتين، بول اونيل، وزير تجارة سابق في ادارة بوش، كتاب «ثمن الولاء: بوش والبيت الابيض وتعليم اونيل»، وانتقد اونيل الرئيس بوش، ونوه الى انه اقل ذكاء، واقل جدية، واقل متابعة للاحداث السياسية، وغمز الى ذلك في اسم الكتاب «تعليم اونيل». وشن البيت الابيض، كالعادة، هجوما على اونيل، وقال بأنه، منذ اول يوم في ادارة بوش، لم يقدر على التعاون مع بقية الوزراء، وخلق مشاكل داخل وزارته مع موظفي الخدمة المدنية. ولأن فن كتابة المذكرات الشخصية قديم قدم الكتابة ذاتها، فقد اثارت مذكرات شخصية قديمة بدورها ضجة في التاريخ، من ابرزها كتاب الرئيس الاميركي الراحل يولسيس غرانت، الذي صدر بعد وفاته سنة 1885، لأنه نشر تفاصيل فضائح اخلاقية ومالية، خلال الثماني سنوات التي كان فيها رئيسا للجمهورية. ومذكرات هتلر «كفاحي» التي ما زالت ممنوعة حتى الآن في الكثير من البلدان. وقد أصبحت كتب المذكرات التي تكشف الفضائح ظاهرة منتظمة خلال الخمسين سنة الماضية، وذلك بسبب زيادة دور النشر المهتمة بالمذكرات الشخصية، وتوزيعها الكبير عادة، وزيادة شفافية السياسيين والطلب الشعبي على اسرار السياسيين. وقد شهدت ادارة الرئيس جون كنيدي اول سلسلة كتب مذكرات من هذا النوع، لكن هذه الكتب لم تهز الادارة لأنها صدرت بعد ان قتل كنيدي في سنة 1963، ومن بينها كتاب «كنيدي»، وهو مذكرات ثيودور سورنسون، كاتب خطبه، الذى قال فيه ان اخطاء كنيدي «كانت كثيرة وخطيرة»، وهو شيء كان صادما ساعتها، لأن اغلبية الاميركيين نظرت الى كنيدي، وكأنه ملاك لم يخطئ. وكشف كتاب «ألف يوم»، وهو مذكرات آرثر شلسنغر، مستشار كنيدي، خلافا اساسيا بين «الشماليين الشرقيين»، وهم كنيدي واخوانه ومستشاروه من جامعة هارفارد (ولاية ماساشوستس الشمالية)، وبين «الجنوبيين»، مثل لندون جونسون، نائب الرئيس (من ولاية تكساس الجنوبية)، ودين رسك، وزير الخارجية (من ولاية جورجيا). ولم يخف مؤلف الكتاب نظرة استعلاء من الشماليين نحو «الجنوبيين»، مثل قوله ان «وزير الخارجية كان يتكلم بلكنة جنوبية بطيئة، جعلته غير قادر على متابعة احداث العالم السريعة». واجبرت، قبل ثلاثين سنة، فضيحة «ووترغيت» الرئيس ريتشارد نيكسون على الاستقالة. لهذا فإن كتب مذكرات الذين عملوا معه، صدرت بعد استقالته، ولم تهز ادارته. لكنها كشفت تفاصيل لم تكن معروفة خلال سنوات الفضيحة. ومنها كشف كتاب «بعد السقوط»، وهو مذكرات وليام سافاير، كاتب خطب نيكسون، (كاتب عمود في جريدة «نيويورك تايمز»)، «شخصية نيكسون المتناقضة» وان «مشاكله سببها خلل في شخصيته». ايضا من ضمن هذه الكتب كتاب «سنوات البيت الابيض»، وهو مذكرات هنري كيسنغر، وزير خارجية نيكسون، الذى قال ان نيكسون كان «وحيدا، ومنفردا، وبخيلا، وقلقا الى درجة قريبة من الجنون»، وانتقد كيسنغر حتى بنطلونات نيكسون وقال انها «كانت دائما قصيرة قليلا». وهز كتاب «مع الرئيس»، وهو مذكرات دونالد رغان، كبير موظفي البيت الابيض في ادارة الرئيس الراحل دونالد ريغان، الادارة، عندما كشف ان نانسي ريغان، السيدة الاولى، عرضت كل قرار رئيسي، وكل خطوة مهمة اتخذها ريغان على قارئة حظ تستشير الكواكب والنجوم في سان فرانسسكو. كما هز كتاب «رجل اليمين»، وهو مذكرات ديفيد فروم، كاتب سابق لخطب الرئيس جورج بوش، ادارة بوش عندما كشف ان بوش «غير صبور، وسريع الغضب، ولا يتابع الأحداث»، وانتقد تركيز بوش على تدينه، وكشف عن أن موظفي البيت الأبيض اصبحوا مثله، وأصبحوا يحيون بعضهم كل صباح تحيات دينية، ويسألون بعضهم «هل حضرت حصة دراسة الكتاب المقدس؟». وكما اهتزت فرنسا مع اعلان الرئيس الراحل فرنسوا ميتران، عن وجود ابنة غير شرعية له، اهتزت فرنسا بعد ان نشرت كرستين جونكور، عشيقة رولان دوما، وزير الخارجية، قبل سبع سنوات، مذكراتها التى كشفت فيها ان شركة «الف» للبترول اعطتها ستين مليون فرانك فرنسي (عشرة ملايين دولار تقريبا)، لرشوة الوزير للقيام بمعاملات تفضيلية لها، فاستقال الوزير، وهرب مدير شركة «الف»، ووصلت الاتهامات الى الرئيس ميتران الذي انهى رئاسته محاطا بالشكوك.